صديق الحسيني القنوجي البخاري
431
فتح البيان في مقاصد القرآن
حتى أحدث إليك ، وأنزل في سبأ ما انزل فقال رجل : يا رسول اللّه وما سبأ أرض أم امرأة ؟ قال : ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة . وتشاءم منهم أربعة ، فأما الذين تشاءموا : فلخم وجذام وغسان وعاملة ، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار ، فقال رجل : يا رسول اللّه وما أنمار ؟ قال : الذي منهم خثعم وبجيلة » « 1 » . وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني وابن عدي والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه بأخصر منه . آيَةٌ أي علامة دالة على كمال قدرة اللّه وبديع صنعه بملاحظة أحوالها السابقة وهي نضارتها وخصبها وثمارها ، واللاحقة كتبديلها وعدم ثمرها ثم بين هذه الآية فقال : جَنَّتانِ أي جماعتان من البساتين . عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ أي وهاتان الجنتان كانتا عن يمين واديهم وشماله قد أحاطتا به من جهتيه وقيل : عن يمين من أتاهما وشماله ، وكانت مساكنهم في الوادي ، وكل طائفة من تلك الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة ، والآية هي الجنتان كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها المكتل فيمتلىء من أنواع الفواكه التي يتساقط من غير أن تمسها بيدها . وقال عبد الرحمن بن زيد : إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية ولا غير ذلك من الهوام ، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل ماتت عند رؤيتهم لبيوتهم ، قال القشيري : ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجهتين يمنة ويسرة في كل جهة بساتين كثيرة وأشجار وثمار تستر الناس بظلالها . كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ أي قيل لهم ذلك وهذا الأمر للإذن والإباحة ، وقيل : لم يكن ثم أمر ولكن المراد تمكينهم من تلك النعم والأول أظهر ، وقيل : إنها قالت لهم الملائكة ، وقيل : إنهم خوطبوا بذلك على لسان نبيهم ، والمراد بالرزق هو ثمار الجنتين . وَاشْكُرُوا لَهُ على ما رزقكم من هذه النعم واعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه . بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ مستأنفة لبيان موجب الشكر والمعنى : هذه بلدة طيبة فكثيرة أشجارها وطيبة ثمارها وقيل : معنى كونها طيبة أنها غير سبخة وقيل : ليس فيها هوام لطيب هوائها ، قال مجاهد : هي صنعاء ، وقيل : كانت على ثلاثة فراسخ من صنعاء وفي المصباح : يطلق البلد والبلدة على كل موضع من الأرض عامرا كان أو خلاء .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الحروف باب 1 ، والترمذي في تفسير سورة 34 ، باب 1 .